top of page
line

مهارة العزلة (الخلوة)

الخلوة والعزلة والوحدة: (وَاعْتَزِلُوكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ). العزلة تتطلب أولًا أن تعتزل جسديًا وعقليًا، فتبتعد عن أخبار الناس ومشاكل الناس وهموم الناس لفترة بسيطة. المرحلة الأعلى هي الخلوة وهي ما يمارسها الأنبياء والرسل والصالحون، وتتطلب الخلوة العزلة والتفرغ لمعرفة الذات أو النفس وإصلاح أحوالها (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا). الوحدة هي شعور سلبي يدفع الإنسان إلى قلة الثقة بنفسه والشكوك بقدراته، وهو مُضِر على مستوى الجسد والنفس، والدراسات بينت أن من يعانون من الوحدة هم أكثر وقوعًا بالأمراض وأضعف للمناعة. وقد يشعر بالوحدة وأنت محاط بكثير من الناس، وقد لا تشعر بالوحدة وأنت لوحدك لأنك تشعر بالأنس مع نفسك.

القدرة على الخلوة مع النفس دليل على العمق والرضا، وهي مفتاح كل نجاح وإبداع، صفة يملكها المبدعون والناجحون ويُخصص لها أوقات محددة بشكل يومي. الخلوة هي مُتطلب لمعرفة الذات ومعرفة النفس وتطويرها، والذي لا يستطيع الخلوة خوفًا من مواجهة نفسه معناه أن لديه أسئلة كبرى متناقضة يهرب من مواجهتها. حب النفس، والأنس بها، والارتياح معها، وقبول أخطائك، والعمل على تطويرها. أجمل علاقة تبنيها في حياتك هي العلاقة مع النفس، وسلامك الداخلي لا يُبنى إلا بعلاقة طيبة مع النفس، ومن فوائد الاختلاء بالنفس: المعرفة العميقة لمشاعرك وطريقة تفكيرك وتفاعلك مع هذه المشاعر. سوف تجد ماذا تريد أن تحقق وما هي الأشياء التي فعلًا تهمك، وليس ما يتوقعه الآخرون منك أو يتمنوه فيك. قراراتنا في الحياة نستطيع أن نُبعد عنها تأثير الآخرين بها من خلال العلاقة مع الذات ونُقرر بناءً على ما يهمنا فقط وإبعاد أي تأثير من الخارج. 

الخلوة مع النفس هي إعادة تشغيل لجهاز النفس. لا تصر أسير الترقب وتتوقف حياتك بانتظار انتهاء الأزمة، وتصبح تستجدي الأخبار من وسائل التواصل الاجتماعي تبحث عن خبر يبعث في قلبك الطمأنينة. الوحدة يعاني منها 20% من الأشخاص غير السعداء الذين يعانون من الوحدة. الخلوة هي نوع من تنظيف المرآة لكي ترى صورتك وتفاصيل وجهك، بدون الخلوة لا تكون الصورة واضحة عن حياتك وعن نفسك. مصطفى محمود يقول: "في الخلوة قد تأتي هذه اللحظة فتكون بالعمر كله، فتُفتح عليك حياة جديدة." وقال الشافعي: "من أراد الله أن يفتح على قلبه ويرزقه العلم فعليه بالخلوة، فهي سُنَّة الأنبياء والصالحين والمفكرين." لا يوجد شخص ناجح إلا وفي الخلوة نصيب من حياته، في هذه اللحظات من الخلوة أنت تستطيع أن تسبر أغوار نفسك وعقلك الباطن والذي هو يُسيّر 80% من حالة الوعي لديك. الخلوة لها شروط: الانقطاع عن الناس وعن جميع وسائل التواصل، التأمّل في كل شيء من حولك.

لا يمكن للإنسان أن يكون في اتحاد كامل إلا مع ذاته، لا يمكن أن يكون مع صديق أو زوجة؛ لأن الاختلافات الفردية والطبع تُنتِج تنافرًا. ما يَجعل البشر اجتماعيين هو أنهم غير قادرين على احتمال الوحدة واحتمال أنفسهم، يَحتاجون للإثارة المُستمرة الآتية من الخارج. يمكننا فَهْم اجتماعية الناس كوسيلة للتدفئة الأذهان بشكل مُتبادل بطريقة مماثلة لتلك التي يُدفئون بها بشكل مُتبادل أجسادهم. لكن من لديه في ذاته الكثير من الوحدات الحرارية لا يَحتاج إلى تدفئة الناس.

 

كل شقائنا يأتي من أننا لا نستطيع أن نبقى وحيدين. (البُعد عن الغذاء يُعيد لنا صحة الجسد، والبُعد عن الناس هدوء للروح). حُب العزلة لا يمكن أن يكون مَيلًا ابتدائيًا، بل يجب أن يَلد نتيجة التجربة والتفكير، ومع تطور العقلية الخاصة مع التقدم في العمر. قرابة الستين الميل إلى العزلة يَصل إلى حَدٍّ يكون معه طبيعيًا وغريزيًا. اختفاء الجنس يُولد لدى العجوز قُدرة على الاكتفاء بالذات.

 

كل إنسان مُتفوق وهو يَحصل على فردية لا تُشبه الآخر، والذي بالنتيجة يَشغل مكانًا فريدًا سيَشعر بسلوان في شيخوخته. الحسد عدو لسعادتنا، والسعي إلى خلقه مَثَل شيطان شرير. لِنَستمتع بما لدينا بدون أن نَقوم بالمُقارنة، لن نكون سُعداء أبدًا بمن نَتَعذّب بِسعادته الأكبر. وإن كان لا بد من المقارنة (فلنُقارِنْ بالراحة، هل هذا الإنسان مُرتاح؟).

 

الأرستقراطية ثلاث فئات: المَنزلة والنسب. المال. العقل. وهذا الأخير في الواقع هو الأكثر تميزًا في الأرستقراطية. في وجود حدث سيئ قد تَمّ وانتهى، والذي بالنتيجة لا نستطيع تغيير شيء فيه، يجب أن لا نَدَع أنفسنا حتى للتفكير بأنه يمكن أن يَحدث بطريقة أخرى؛ لأن هذا يؤدي إلى تصاعد الألم والأسى. لدى رؤية الخيرات التي لا نمتلكها نقول لأنفسنا: (يا لو أن هذا يَنتمي لي). وهذا التفكير هو ما يَجعل الحرمان بالنسبة لنا مَحسوسًا. وبدلًا من ذلك نسأل أنفسنا: (كيف سيكون حالنا لو أن هذا لم يكن يَنتمي إليَّ؟).

 

المقصود أن نُلزم أنفسنا على تمثل الخيرات التي نَملكها كما لو أنها ستظهر لنا بعد ضياع، وأتحدث عن جميع الخيرات: الصحة، الثروة، الأصدقاء، الأطفال، الزوجة. فقدان الأشياء هو ما يُعلمنا قيمتها. هذا سيَجعلنا نشعر بالسعادة بامتلاكها وإنها لا زالت لدينا. وكذلك يَجعلنا نُحافظ بكل الوسائل ضد فقدانها. هكذا لن نُغامر بممتلكاتنا، ولن نُغضب أصدقاءنا، ولن نَختبر وفاء أزواجنا، سنعتني بأزواجنا وبصحة أبنائنا. العزاء والوجود. الفيلسوف يَنشغل بكلامه مع الناس وليس يَنشغل بالكلام عن الناس. الفيلسوف يُساعدك على إعادة صياغة الفكرة التي لديك بنحو يَخدم قدرتك على التفكير وقدرتك على الحياة. الأهم من الحقيقة هي القدرة على التفكير. (الحياة الجيدة لا تعني وَعْدَ العيش، بل تعني القدرة على الاستمتاع بالحياة والقدرة على النمو). أبيقور.

 

العناصر التي تَشُل القدرة على الحياة هي: الجهل، والخوف، والتذمر، والأهواء الحزينة. حياة جيدة يعني حكامة جيدة للذات، المُعارِضة على الدوام للوَهم والألم والملل والشقاء والفناء. التوازن بين الرغبة والقدرة. المصدر الأساسي للشقاء هو عدم التوازن بين الرغبة والقدرة. (راغبًا فيما لا تقدر عليه). تخطي الرغبة الجنسية على القدرة الجنسية يُسبب التوتر. تُضمر القدرة على الحياة في الأيام الأخيرة من العمر، يجب أن تُضمر معها الرغبة في الحياة أيضًا، وذلك لأجل احتضار أقل ألمًا. الشيخوخة قد استنزفت القدرة على الحياة بفعل الحنين إلى الماضي. وهذا يندرج على الحزن على المفقودات. وفي الشباب، تتدخل الرغبة في الحياة بسبب الخوف من المستقبل.

 

الخائف يَستطيع أن يَلعب بعد زوال الخوف، أما الحزين فلن يَلعب؛ لأن القدرة على الاستمتاع بالحياة أُصيبت بالاستنزاف. المرحلة الأولى من الشيخوخة يبدأ الإنسان باستعادة رغبته في الحياة طالما أن الخوف من المستقبل قد زال. وهذا ما يُفسر حِرص كبار السن على الحميات والنظافة والمُراقبة الطبية والاستعمال المُفرط للأدوية. لذلك علينا أن نَظل مُنتبهين بكل حواسنا إلى عيش الحياة في دقيق تفاصيلها اليومية، من خلال الكلمات البسيطة والأشياء البسيطة والأشخاص البسطاء. في الحياة نحن كَمَن يَسبح على السطح في مياه عميقة، فـ (واصل السباحة لكي لا نغرق). غير أن هناك من يَسبح بأسلوب مُضطرب ومَشقة وعناء، وهناك من يَسبح بهدوء وبهجة ومَهارة عالية.

 

أمراض الكينونة التي تُمثل مصدر الشقاء الإنساني، منها: سَطوة الملل والندم والحنين والشعور بالذنب، فضلًا عن سَطوة الخوف والغضب والكراهية. والإنسان يَحتاج أكثر إلى مهارات التعامل مع الملل والندم والحنين حتى لا تطغى عليه فيَفقد القدرة على الحياة. يجب على الإنسان أن يكون قادرًا على رسم حدود الرغبة في البناية بنفسه وحَظه وحَدّث، وأن يقول في اللحظة المناسبة: (هذا يَكفي). وكذلك حتى لا يُصبح (البقاء على قيد الحياة هو الحياة نفسها).

 

القدرة على التحكم بالقدرة (القدرة على عيش الحياة). من يَأمل كثيرًا يَحزن كثيرًا. أن نَعيش جيدًا معناه أن نَأمل قليلًا ونَعشق كثيرًا. فلاسفة عيش اليوم: يَتَحقق في ثلاثة مبادئ: 1- العيش بلا خوف. 2- العيش بلا أمل. 3- العيش بلا حنين. لا يمكن السباحة في النهر مرتين؛ لأن المياه تتجدد، كذلك حياتك تتغير وأنت تتغير بخلاياك ومفاهيمك.

 

كذلك لا يمكنك أن تَحصل على نفس التعامل من شخص أو صديق؛ لأنه يتغير كما إنك تتغير. نحن في الحياة كالنار، لا تُمثل جَسدًا ماديًا بل هي مجرد أثر حراري وتفاعل كيميائي، تَغلي بقوة ثم تَخبو. القدرة على الحياة تعني القدرة على تَقَبُّل الخطر الكامن خَلف تجارب الحياة. كلنا ناجون من الحروب والعدم والتفجيرات والأزمات القلبية. نحن نُمثل سلسلة ناجين من أشياء كثيرة، فلله الحمد على النعمة التي لا تُعد ولا تُحصى.

ناجون من العدم عندما نُوجد، ومن الإجهاض حينما نُولَد، ومن الموت حينما نَكبُر، ومن الإدمان والانتحار والغَرَق. عندما أَتمَثَّل الإحساس بالنجاة على هذا النحو من القناعة والاقتناع، سيَنتابني شعور عظيم بالامتنان للخالق العظيم ثم الحياة.

© 2025 Dr Fahad Alorifi

  • X
  • LinkedIn
bottom of page