
الحكمة في العيش
من لا يَنتظر الإحسان من أحد ليس حكيمًا فحسب، ولكنه سعيد أيضًا). الخلوة وليس الوحدة هي حالة نستعيد بها حالة السكون التي نَفقدها في ممارستنا اليومية، وحالة الحميمية بين الإنسان ونفسه. سُنة الرسول صلى الله عليه وسلم في الخلوة والتأمل. مُلخص كتاب (مِثال عن الحكمة في العيش وفن العيش): (ما يَحدث للإنسان في حياته هو أقل أهمية من الطريقة التي يَشعُر بها). الخيرات الذاتية، مثل: شخصية نبيلة، عقل راجح، طبع مَرِح، جسد مُتناسق وبصحة جيدة. علينا أن نسعى لتطويرها والحفاظ عليها أكثر من امتلاك الخيرات الخارجية والشرف الخارجي. افتح الأبواب والنوافذ أمام الفرح، إنه وحده المال الحقيقي للسعادة. ما من شيء يُسهم في المَرَح أقل من الغنى، ولا شيء يُسهم فيه أكثر من الصحة. (ما يُثير مشاعر الناس ليس هو الأشياء بل الرأي حول الأشياء). سعادتنا تعتمد في تسعة أعشارها منها بشكل حصري على الصحة، معها يُصبح كل شيء مصدر متعة، ومن دون الصحة لن نعرف كيف نتذوق الخيرات الخارجية، حتى الخيرات الذاتية، مثلًا السمعة والذكاء والقلب والشخصية، نراها ضعيفة وتَفسد في حالة المرض.
الطبع الصعب والطبع السهل: الطبع الصعب إن كان يَنجح بنسبة تسعة إلى 10 في مشاريعه، لن يَفرح بالمرة التي نجح فيها، لكن صاحب الطبع السهل سيَعدُّ السلوان والفرح في هذا النجاح الوحيد. الشخصيات الصعبة الحزينة القَلِقة تُعطي شؤون الحياة أهمية كبرى. أعداء السعادة: الملل والألم. الطبقة الدنيا من الشعب تُناضل بلا توقف ضد الحاجة، أي ضد الألم. بينما الطبقة الغنية والعُليا في نضال مستمر يائس ضد الملل. لا شيء يَضعنا بشكل مؤكد في مَأمن عن الضياع إلا الغنى الداخلي وهو غنى العقل؛ لأن غنى العقل يَترك مكانًا صغيرًا للملل والنشاط المستمر للأفكار التي تتجدد بشكل دائم في وجود تظاهرات مختلفة للعالم الداخلي والخارجي. الإنسان الذكي سيَميل قبل كل شيء إلى الهرب من كل ألم وكل إزعاج، وإلى إيجاد الراحة والتسلية، وسيَبَحَثُ عن حياة هنيئة متواضعة مَحمِيَّة قدر الإمكان من الإزعاجات، بعد أن يُقيم علاقات خلال بعض الوقت مع من نُسميهم البشر. إن كان عاقلًا مُتفوقًا سوف يَختار العزلة؛ لأن الإنسان كلما امتلك أكثر في نفسه قَلَّت حاجته للعالم الخارجي، وأصبح الآخرون أقل فائدة. في العزلة يَعود كل إنسان إلى مصادره الخاصة، ويَظهر ما لديه من خلال ذاته. الإنسان العادي لا يَنشغل إلا في إضاعة الوقت، بينما يَنشغل الإنسان الموهوب في استخدامه، الذي يجعل العقول المحدودة مُعرضة كثيرًا للملل.
مَن يَلعب الورق ليَقضي ويَشغل الوقت؛ لأنه ليس لديه أفكار يتبادلونها ويتناقلونها إلا الورقة واللعبة. البلد القوي والسعيد هو مُكتفٍ ذاتيًا فلا يَستورد من الخارج، كذلك الإنسان القوي والسعيد من يَضع أدواته وأفكاره وما يَحتاجه داخليًا. من أيام أرسطو هناك حقيقة تقول: (المصدر الرئيسي للسعادة الإنسانية يأتي من الداخل). أنواع المُتع: 1- متع القوة التناسلية، وتختص بالأكل والشرب والهضم والراحة والنوم. 2- متع التهيج والاستثارة، مثل: القفز والرقص والألعاب والقتال والحرب. 3- متعة الحس والتأمل والتفكير والشعور والرسم والموسيقى والقراءة والاختراع والفلسفة. (الراحة دون دراسة هي نوع من الموت الذي يَضع الإنسان الحي في القبر). سينيكا: الحياة الثقافية تحمي ليس فقط من الملل بل أيضًا من نتائجه الخبيثة، تَحميه من الصحبة السيئة ومن الأخطار المتعددة والتبذير. الإنسان الطبيعي يَتَعَلَّق بملذات الحياة بالأشياء الخارجية، مثل: الغنى، المَنزلة، العائلة، الأصدقاء. وتتهاوى هذه السعادة عندما يَفقد أو يُصادف إخفاقات. بينما الإنسان المميز يَجد المَلَذة من الذات من خلال مُتَع داخلية في القراءة والتأمل وغيرها. المعرفة هي الحصة الأكبر من السعادة. الذات الحقيقية تأتي من حاجات حقيقية. الحكمة أن يُلقي المرء نظرة من وقت إلى آخر على المخطط الخاص لحياته، وعليه أن يَعرِف بشكل أساسي من يُعتبر رئيسًا لسعادته، وما لا يأتي إلا بالدرجة الثانية، ثم المستوى الثالث، ليُدرك رسالته وعلاقته مع العالم. الحكمة أن نُسَخِّر انتباهنا للحاضر والجزء الآخر الصغير للمستقبل، حتى لا يُفسد الأول الأخير علينا. ومع تقدم العمر يجب التركيز على الحاضر.
المستقبل مَثَلُ البعيد الذي يُصغِّر الأشياء بالنسبة للعين ويُضخمها بالنسبة للتفكير. الحاضر وحده حقيقي وفَعّال. الوعي الكامل لقيمة الساعة الحاضرة، خاصة أنها عندما تكون خالية من الألم والحزن. وما يَخسره المرء من استهلاك الساعة الحاضرة الجميلة بمخاوف وقلق للمستقبل، أفسد العيش الجميل بالحاضر أو حتى صَرفها بالندم على شيء قد مَضى. (كل يوم بشكل منفصل هو حياة منفصلة، اليوم لا يأتي إلا مرة واحدة ولا يعود أبدًا). الشؤون المستقبلية الوحيدة التي يجب أن تُثير انتباهنا هي تلك التي يكون حُدوثها مُؤكدًا، لكن القليل منها بالفعل مُؤكد الحُصول. نعيش أيامنا الجميلة دون أن نُوليها أي انتباه، وعندها فقط عندما تأتي الأيام السيئة سيكون علينا تَذَكُّر الأخرى. نَترك الآلاف من الساعات الهادئة والرائعة تَمر بجانبنا ودون الاستمتاع بها ودون أن نُوليها ابتسامة. الحد من النفس يَجعلك سعيدًا. كلما كانت دائرة رضانا وأفعالنا وتواصلنا ضيقة كنا سُعداء أكثر، كلما كانت واسعة وجدنا أنفسنا مُعذبين وقَلِقين. من لا يُحب الوحدة لا يُحب الحرية؛ لأننا لا نكون أحرارًا إلا بالوحدة، فالشخص التافه يَشعر بكل تفاهته، وصاحب العقل العظيم بكل عظمته.
المجتمع المزعوم يُقَدِّر ميزات الاستحقاق (الجدارة) من كل نوع عدا الاستحقاق العقلي. أن نَترك ثلاثة أرباع شخصيتنا لِنُشبه الآخرين، إذا كانت لدينا قيمة أكبر، فإن المكاسب من الجلوس مع الآخرين هنا لا تُغطي الخسائر؛ لأن الناس عادة مُفلسون، لأنه ليس في تجاربهم ما يُعوض عن الملل الذي نَشعر به والإزعاجات التي يُسببونها لنا ولا التضحية بالوقت.