top of page
line

الوعي بالذات

استشر غيرك واطلب النصيحة، وحلل نصائح الآخرين، واجمع كل ما تناقض من آراء ورتبها وَوَدَّها، ولكن احتفظ لنفسك بالقرار النهائي. إن في إمكان المرء مهما كانت ظروفه أن يسيطر على نفسه. المحاسبة اليومية عن أعمالك وأفكارك. هذا التمرين اليومي يتم لعمل مراقبة الذات ويجعلها مستمرة، ثم يَحذف العقبة التي تعترض كل إنسان في محاسبة نفسه، أعني بها الارتجال في خلق المعاذير وإلقاء التبعة على الآخرين أو على الظروف، بينما هي في الحقيقة لا تقع إلا على عاتق الشخص نفسه. احذف "لم أقدر" وعَوِّضْ عنه بقولك: "لم أُرِدْ"، أو: "حالت الظروف بيني وبين ما أردتُ"، أو: "مَنَعتْني مما أُريد". لا بد من ترتيب الأوقات وإحسان استعمالها بين عمل وراحة ليتلافى أخطار الانسياق في الأحلام واسترسال إيحاءات الآخرين. إن من يقف موقفًا هادئًا رصينًا يجاهد ألا يتعرض لنوبات المزاج حتى يتحول إلى قوة متماسكة في جميع الحالات والظروف. فإن إنصاف الجميع وإعطاء كل ذي حق حقه يُوحي حتى إلى من كان فَظَّ الطباع استعدادًا وتقبّلًا حسنًا لما يُعرض عليه. مشروعاتك المُعدّة وأهدافك المُؤخرة أو الموقوفة وتأكيداتك الخاصة التي حصلت عليها، فاكتمها في سرك ولا تُبح بها لأحد من أبناء الأرض خشية أن تفقد الاستقلال في عملك وتأثير ما يُعرقِلُ عليك وجهة سيرك.

القلب لا يعمل إلا مِهنته، فإذا انحرف فهذا يعني أن العقل لم يقم بالمهام الموكل إليه. إنما يَحكُم نفسه ويُسيطر عليها فعلًا فإنه يَأبَى التدخل في أمور لا تَعنيه، ويَصرف الأمور تصنيفًا يَحمِل تَبِعَته. إن السيطرة على النفس هو التحمل لكل تَبِعَة، والإفادة من كل تجربة، والوقوف عند كل كلمة، ومواجهة الأخطاء حين تقع بروح علمية وحكم موضوعي، واستقلال في الرأي، وتركيز للتصرفات العامة والخاصة على أسس أخلاقية مدروسة، بحيث لا يعمل الإنسان إلا وهو واعٍ مطمئن، يريد الخير لغيره كما يريده لنفسه بنسبة واحدة دون إسفاف أو غرور. إنما يستقيم مظهر المرء بمقدار ما يُراقب نفسه ويُسيطر على اعتلالاتها وأشجانها ويَصرف همومَه فيما يعود عليه بالنفع والهدوء الخارجي وصفاء الفكر. ولن يَعدم وسيلة التمرن على تحصيل هذه الاستقامة، فالبيئة الاجتماعية توفر له كل أسباب التمرين المنشود في هذه الناحية.

إن من طبيعة النفس أن تعكس في الداخل ما يتخذه الجسم من مظاهر في الخارج. احتفظ دومًا بهدوئك، واعلم أن اشتغالك يُثبِّت قواعد حياتك النفسية الذي يجعلك تخطو خطوات جريئة ولا يَمنعك من أن تطمح إلى الدرجات العُليا. لا تسمح لأحد أن يكلمك بما صممت أن تتجنب الخوض فيه من أحاديث أو يَستزِلّك عما قررت أن تَصدَّ عنه. وتعلَّم أن ترفض بأدب، وأن تُعبر عن فكرك ببراءة حين يقتضي الأمر أن تتكلم. ولا تنسَ أن استقامة المظهر إنما تتمثل أكثر مما تتمثل في الصمت، فهنالك سكوت مُعبر يفوق في تعبيره كل بيان وكل بلاغة وكل مظهر. ترقب الزلات وتوقع الأذى من غيرك وانتظر من الناس كل ما لا يُريحك وما لا يُنصفك، تخرج من هذا التوقع إلى نفسية متماسكة. الكائن الثابت القويم المستمر الذي يَحكُم نفسه كل شيء وفق منهج شامل مدروس. الخيال يمكن أن يكون فعالًا إذا وُجّه توجيهًا حسنًا، ولكنه يتحول إذا أُهمل وأُلقي به في أحضان الغرائز والانفعالات والتأثيرات الداخلية والخارجية إلى ينبوع غريزي من ينابيع الأضاليل والأباطيل والتهويل والأخطاء. ليس التطور النفسي للفرد واقفًا على القوانين الحيوية وحدها التي تتحكم بنمو جهازه العصبي، ولا هو رهن بالتأثيرات الخارجية. إنه تطور داخلي يُعِدّه الإنسان ويُريده، وهو حاصل إرادته وتأملاته الشخصية. إن مصير الإنسان حين يَعِي ويُريد ويَجتهد في تحقيق ما يريد عن وعي، إنما هو منوط به. ولا يَملك الآخرون أن يَصرفوه عنه أو يُغيروا من إرادته بتدخل لهم في مهمة لنفسه وسره نحو أهدافه. فإذا سمح لهم بالتدخل فقد إرادته. وإذا استجاب لما يناله من أذى أو سخرية أو عَرْقلة، يفقد وعيه. والوعي والإرادة أساسيان لكل من يريد التحكم في مصيره. كلما ارتفع الإنسان درجة في سلم السيطرة على نفسه زادت ثقته بها. وكلما تأكدت له كفاءته وقدرته على مراقبة حياته النفسية، ارتفع فوق الوسط وأخذ في التحليق عاليًا. إننا جميعًا نتلقى من الحياة الخارجية من انطباعات وتأثيرات لا مفر منها. علينا أن نُسيرها بوضوح إدراكها بجلاء، بحيث لا نسمح لها أبدًا أن تؤثر في كياننا العاطفي أو أن تخلق الفوضى في تفكيرنا وفعل نشاطاتنا. تسليط الفكر الهادئ الموزون وإعادة تسليطه دومًا على الحوادث والأشياء والأشخاص هي التي تخلق فينا ذلك النوع من الصلابة بحيث لا نتزعزع ولا نَحيد ولا نتأثر. لا يمكن خوض الحياة الاجتماعية من غير تعرض لصراع واصطدام؛ لأن تلك الحياة تنطوي بطبيعتها الاجتماعية على تناقضات في الآراء والمبادئ والاتجاهات والمصالح الفردية. مُعارضتها وأسلوب مقاومتها وطريقة مُعالجتها أشياء تتعلق بنا، وليس لأحد غيرنا. فإذا واجهناها بتماسك صُلب مُركَّز واستراتيجية موضوعية وعزم مكين على عدم إيلائها من العناية فوق ما تستحق، وانصرفنا إلى شؤوننا المهمة، استطعنا أن نردها إلى درجة الصفر سواء في الأثر أم في التأثير. لا تسمح لأحد كائنًا من كان أن يَجُرك إلى تضييع وقتك وطاقتك بحثًا عن رد مُحكَم أو جواب مُعجَم أو القيام بمشاحنات لا طائل منها ولا جدوى. فإن الاشتغال بالصغائر والمشكلات الناجمة عن غريزة الانتقام توازي جميعها إشاعة الفوضى في داخل النفس، وتقتل حيوية الفكر البناء. وكلاهما مما يُقر عين الخصم، فهو يرضيه أن تفعل بنفسك ما لا يَقوى غيرك على فعله بها في داخلها. ليس البغض بكل بساطة غير القوة التي يُنفقها المرء لتَحطيم نفسه. لا مفر لك وأنت تبغي السيطرة على نفسك من الامتناع عن كل ثرثرة ومناقشة وجدل، وأن تحتفظ بسرية دراستك ومحاولاتك. فهذه السرية وحدها هي السبيل الأفضل لبلوغ النتائج التي تَنشدها. الغضب طاقة نفسية يُنفقها المرء دون جدوى. إن قهر انفعالاتك وتأثراتك وشهواتك وعزمت على تحقيق استقلالك الفكري، ونبذ الإيحاءات الخارجية، واتجهت نحو بناء نفسك من جديد معتمدًا على انتباهك وإرادتك في أعمالك، عن أحكام واقعية ودقيقة، مُتمشيًا بها على قواعد أخلاقية حكيمة وسليمة. تجنَّب الحالات النفسية التي تُستأثر دون جدوى بقوة الذهن، وأن تبتعد ما أمكن عن مُترادفات تلك الحالات التي تخلق في قرارك من انفعالات واضطرابات وتهيجات لا فائدة منها. لا أحد يَقوى على وضع معيار دقيق للسعادة أو النعيم الذي يَنعم به غيره. فظاهر في حياة امرئ تثير الحسد لدى الآخرين، وهي في الحقيقة تُعذبه وتُؤذيه.

التظاهر يُعبر دومًا عن نفسه بخسارة تافهة وإعياء للطاقة النفسية. فهل من شيء أسخف من أن يُرهق المرء نفسه وخياله قُربة رجاء أن يستفيد إعجاب غيره؟ إن من يُعذبه اهتمامه بالكيفية التي يُقَدِّرُ الناس فيها، يَنتهي أمره أخيرًا إلى تضحية أغراض وأهداف جليلة سامية وخسارة لا تُعوض في الوقت والمال. التعامل من غير عِلم، والتلبس بالفضائل من غير عمل، والتفاخر بالغنى من غير ثروة عقلية أو خِلفية، واصطناع القوة فوق الضعف المستتر، هكذا يَخدع الإنسان نفسه وهو يَحسب أنه يَخدع غيره. ونجد أن الكثيرين يَحسبون أنهم وصلوا قبل أن يبدأ المسير؛ لأنهم انتهوا بكل بساطة إلى الاعتقاد بما لَفَّقُوه ورَوَّجُوا له. الكمال ليس من نصيب أحد.

فقد يَهُفُو الذواق هَفَوات لا يقع بها أخشن الناس وأغلظهم طبيعة. قديمًا قالوا: "لكل جواد كبوة". إن تقرر لديك ذلك لم يبق إلا أن تَنفي من طباعك كل نزعة لتنزيه نفسك، وأن تقبل اللوم بكل برود حين يُصَبُّ عليك من أجل خطأ ارتكبته. جَرّب ألا تلجأ إلى الأعذار، وأن تُحاكم القضايا مُحاكمة موضوعية لتَحكُم على نفسك من زوايا الواقع التي يراها غيرك، لا من زاوية نزعتك الشخصية وميولك الدقيقة التي لا يراها إلا أنت ولا وزن لها عند الآخرين إلى جانب ما يَصدر عن عقلك من أقوال وأعمال.

وبهذا تنتفي كل ادعاءاتنا. الحذر من الهم. الهم هو الهرم. المال لا يَجلب السعادة، والسعادة تتوقف على موقفنا من الظروف والمناسبات. الحياة تؤذيك، وهي في الحق تؤذينا جميعًا، ولكن من الجميل أن يتلقى الرجل الضربات ويَمضي قُدُمًا في المغامرة والكفاح. أنا أُدرك دون شك أن الحياة صعبة، وأنها تُجابه الإنسان بألوان التحدي، ولكننا لا نَدَعُ الرعب والهلع يَسيطران على نفوسنا. يجب أن نألف الخطر ونُرحب به؛ لأن الحياة ليست إلا اختبار خطر لكل امرئ. عبارة لنتذكرها: (لقد أوذيتُ بالغًا، ولكني لن أسمح لنفسي بأن أنحدر أو تَضيق بي. لقد أخفقتُ ولكني سأكافح كِفاحًا أفضل. ولقد خاب مسعاي ولكني سأعبر عن نفسي بطريقة أخرى. إن في صميمي لقوة عظيمة يجب أن أستفيد منها). تَقَبَّل الحياة وتَقَبَّل واجباتها وأعمالها وإمكانياتها، تجد أن شخصيتك تُعدِّل نفسها بنفسها بحيث تُلائم الظروف. هناك كثيرون يريدون أن ترتفع بهم يد سحرية، ولا يستطيعون أن يَفرضوا على أنفسهم قليلًا من النظام ليتخذوا خطوات صغيرة عملية بسيطة سبيلًا لنجاة أنفسهم وإنقاذها، أو سبيلًا لمواجهة الأذى الذي لا بد منه، أو العمل على إنجاز الأشياء. واجه مشكلتك وقُم بعمل ما نحوها، ولا تقف مكتوف اليدين ولا تَخدع نفسك بتجاهل المشكلة. اعزم وقرر، وستجد أن العمل بأقصى قدرتك يُريحك من عبء فكري ثقيل.

إن في العمل لذة، وإن في الحيرة لَمَلل. فلماذا نُطيل على أنفسنا هذه الآلام؟ إن للغد عادة جميلة هي أنه يُشبه اليوم شبهًا بعيدًا، فإذا تغير بعض الشيء فإن لك القوة الداخلية التي تُمكِّنك من مواجهة هذا التغيير. أعِدّ لمستقبلك ما استطعت من قوة. إن هذا لَواجبك تجاه نفسك ونحو أولئك الذين يَعتمدون عليك. ولكن لا تجعل المستقبل مرهونًا بالحاضر، ولا تَدع القلق على مستقبلك يَسلبك مَرَحَ اليوم. الاستغراق الفكري: لا تترك للاضطراب سبيلًا إلى سَريرتك، واحتفظ دومًا باستقرارك الذهني بحيث لا تتأثر أبدًا بنظرات خارجية. احتفظ بالصمت، ولا تُوَزع انتباهك لدى أي خبر. وإذا استفزك امرؤ ليَعرف رأيك في موقف، أو لينال استحسانك، أو ليَسوقك إلى ما لم تُفكر به، أو ليستفزك أو يَجذُبك بفكاهة أو تَمَلُّق، لا تُعطه أي صدى سوى الهدوء والبرود والتماسك. حالات التخزين التي يلاقيها المرء في مُحيطه وبيئته حين يَسمع الكثير من الأقوال التي تَغُضُّ من شأنه وتُعرِّضهُ للازدراء، ويجب عليه الاعتزاز والاحترام، فما عليه إلا أن يُقاومها في الظاهر بالسكوت المطلق وعدم الرد عليها، وقلة الانتباه لقائلها وناشرها ودُعاتها. ثم يعود إلى نفسه ويقول: (إن الذين يُسيئون إليَّ لا يَفهمون حقيقتي). إذا أنت استجبت لرغبة ما، فإنك بمجرد هذه الاستجابة تَبذر القوة، ثم تفقد قوة الانجذاب نحو أهدافك. إن قوة الرغبة تتمثل في عدد كبير من التيارات الذهنية: فراغ الصبر، والغضب، والاسترسال، والمضاهات. تكثيف الطاقات التي لا جدوى من إنفاقها كالغضب والسخط والتذمر وفراغ الصبر، هو خزين يمكن أن يَستسقي المرء منه القوة والجهد ليعمل ويُحقق أهدافه بدلًا من إنفاقها في أمور لا جدوى منها.

لا بد لك من غاية واحدة، من هدف واحد ووحيد تسعى إليه بكل قوتك وكل إرادتك، حتى إذا حققته انتقلت إلى غيره. لا تَهزأ بأحد.

© 2025 Dr Fahad Alorifi

  • X
  • LinkedIn
bottom of page