top of page
line

صناعة السعادة

الاستقلالية أي الحرية الداخلية التي لا تَجعل سعادتنا أو شقاءنا على الظروف الخارجية. إن نظرتنا عن العالم ليست هي العالم، إنما هي تصورنا الذي كَوَّنّاه في أنفسنا عن العالم. حين يَسعد رجل ما في مكان ما، فسيكون الرجل نفسه سعيدًا أينما حَلّ، والعكس صحيح. في المجتمعات الغربية يَبيعون لنا باستمرار في الإعلانات سعادة لا تَتجاوز في واقع الأمر الإشباع الفوري لحاجات الأكثر أنانية. بعد هذا الإشباع سرعان ما يَزول تاركًا المزيد من الفراغ. هذا النوع من السعادة هو لحظات من السعادة، أما السعادة التي تَبحث عنها الفلاسفة هي حالة مُستمرة.

الفرح تجربة عقلية ونفسية عميقة، تأتي كرد فعل لحدث ما في وقت مُحدد. وميزة الفرح أنه مُشارَك بين مجموعة من الأفراد. اللذة قابلة للتنظيم، تهيئوا لمشاهدة مُسلسل أو تناول عشاء أو جلسة تدليك، أما الفرح فيأتي نتيجة اشتغال على النفس لمَعنى يَمنح الحياة. يَعرف سبينوزا الفرح باعتباره: (انتقال المرء من كمال أقل إلى كمال أكبر)، يَعني أنه في كل مرة تَنمو وتَكبُر وتُحقق انتصارًا. الفرح حالة تَنبع من داخل الإنسان، فلا يأتي مَبعَثه من الخارج بل من داخله من قلبه. سبينوزا يقول: (بمجرد التحرر من كل أنواع العبودية سيَتَحقق لنا الفرح الكامل الخاص بالإنسان الحر، وهو فرح مُستمر). نَصل إلى الفرح الكامل حين نَرضع بشكل تام عن الحياة.

الفرح لا يُؤمر، لكنه يتم دَعوته. هناك حالة نفسية تَسمح لنا بتهيئة الأرض الخصبة المُلائمة لاستقبال الفرح: 1- الانتباه: يَصلنا بالحواس (النظر، السمع، اللمس، التذوق). لا بد أن نَتَعلم من جديد الرؤية واللمس والمُشاهدة والشَمّ، وأن نَشعر بها من داخلنا بشكل لا يَنفصل عن مشاعرنا. 2- الحضور: يَشمل وجودنا وكل حواسنا. 3- التأمل: وهي مُمارسة التأمل ولو بضع دقائق بشكل يومي. 4- الثقة وافتتاح القلب: قَبول العيش مع بعض الهشاشة والإقرار بإمكانية استقبال كل شيء. 5- الفرح له عَدْوَان: الأول قريب والآخر بعيد. فـ (النشوة)، ذلك الفرح الظاهري الذي يَتسبب فيه التَعَلُّق بالمَلذات الدنيوية، ذلك الفرح الغير فَعَّال. وهذا هو العدو القريب. أما العدو البعيد فـ (الحسد)، ذلك الهوى البائس الذي لا يَتَقَبّل نجاح وسعادة الآخر. 6- المَنح بلا مُقابل. 7- الشُكر لكل يوم على أننا موجودون وبصحة جيدة، وأننا نُمارس عملًا نُحبه، وهناك أشخاص يُقدّروننا ويُساعدوننا على التطور. إنها عَطَايا الحياة الكثيرة. 8- المُثابرة في الجهد. 9- الاستسلام والرضا: نحن لا نَحتمل ما هو عشوائي ونُطالب بِسيطرة وبشكل مُطلق على حياتنا، نُحَلل الماضي ونُفكر في المستقبل. أما الاستسلام والرضا فهو السلوك المُتناقض لذلك. الحكمة الرواقية هي عدم مُقاومة أحداث الحياة التي لا تَتوقف علينا والتي لا طائل من وراء مُقاومتها. والاستسلام حين نُقابل مُشكلة ما لا نَستطيع التغلب عليها، وحين نَتقبّل الأشياء كما هي، فلذلك يَعني أننا نَتجه صوب تحقيق الفرح لأنفسنا. منذ اللحظة التي نَكُفّ فيها عن الانشغال بفكرة التحكم في كل شيء، يَنفتح قلبنا ويَكون ذهننا حاضرًا لاستقبال الفرح. لكي تُصبح سعيدًا لا بد أن تَتَحلى بالفضيلة، ولكي تَتَحلى بالفضيلة لا بد أن تُحاكي النظام الكوني. الاستسلام والرضا يَضعنا في (فرح التدفق). 10- التمتع بالجسد (الرياضة). أنت تَصير ذاتك. أكثر الناس جَهلًا من تَرَك ما يَعرِفه عن نفسه وذهب لرأي غيره. حالة الفرح الدائمة يمكن أن نَجدها من خلال الصفاء الدائم وسكينة الروح، تلك الحالة التي يَغيب فيها أي قلق. طريق صَواب الذات يُساوي (فرح التحرر) نحو الآخرين، ويَعني (التوافق مع العالم)، وهو (فرح التشارُك). عملية فردية: الطريق الأول لتطوير فرح فَعَّال ودائم هو الاتجاه نحو الذات، نَبدأ بالانفصال وفك الارتباط ونَتخلص مما يَعوقنا منها (الانفصال). 

مع اقتراب منتصف العمر في الأربعينات والخمسينات، حين نَفهَم أن بعض عناصر حياتنا لا تُلائم تطلعاتنا التي نَجدها بالفعل. الانفصال وفك الارتباط يَسبقه التأمل الذاتي والوعي بما لا يُلائمنا وبما هو غريب علينا. (اعرف نفسك بنفسك). التأمل الذاتي والذي يَتحقق عبر مجهود من المُلاحظة الدقيقة لذواتنا ولحساسيتنا ولدوافعنا ورغباتنا (مُلاحظة ما سيُفرحك وما سيُحزنك). طريق التحرر عند سبينوزا: (إن الإنسان لم يُولد حُرًا، لكنه يَصير حُرًا بعد مجهود عقلاني خاص). وتَكمن عبودية الإنسان في التوجه السيئ لرغباته، ونحن نَعيش في أوقات كثيرة تحت سَطوة أهوائنا التي تَقود إلى السلبية وبالتالي إلى العبودية. من الفرح الداخلي إلى السلام العالمي: والذي يَستند إلى صفاء الذهن، فلن يُحركنا إلا مشاعرنا ورغباتنا وأهواؤنا ومُتقدموها. والإنسان الذي يَنجح في تجاوز أهوائه ويُحولها إلى أفراح فَعَّالة يَكُفّ عن إلحاق الضرر بالآخر. أنت تَتوافق مع العالم: أن تَفرح لِفَرح غيرك، هذا هو سِر السعادة. أصدقاء يَرتَبِطون بك بسبب إطرائك لهم، أو لأنك تُساعدهم على الدخول إلى وَسَط آخر. هذه الصداقات أو علاقات الحُب المَشروط تَمنع بُزوغ الروح. فكرة عدم التملك: (أولادكم أو أبناؤكم ليسوا أبناءكم، هم أولاد الحياة). فكرة عدم التملك: أن أُحِب الآخر لكنني أرفض التَعَلُّق به أو جعله يَتَعَلَّق بي برَبْط يَضغط على العلاقة، ونحن في الأغلب لا نُفرّق بين عدم الاكتراث وعدم التَعَلُّق.

عدم الاكتراث هو الاستغناء في غياب الحب، أما عدم التَعَلُّق فهو استسلام للحُب كأفضل ما يكون، هو حُب من دون تَملك). فرح الهبة: حُب الهبة: نُحب من دون انتظار شيء مُقابل، وهو الحُب الغير مَشروط الذي يَشعر به الآباء نحو أطفالهم. هنالك سعادة في العطاء أكثر مما في الأخذ. يَعمل التأمل على ترقيتنا ويُساعد على بُزوغ الجزء الأكثر نُبلًا في أنفسنا. الفرح الكامل: أن تكون مُنسجمًا مع العالم، يَتَلذذ بالجمال الذي يُحيط به ويَتقاسم القليل جدًا. فرح الحياة: {حُب الحياة التي يَزداد ضياعها يومًا بعد يوم، الحياة المَقبولة، الحياة المَحبوبة بما فيها من دون اشمئزاز أو خوف، الحياة المُرحب بها حيث يَصدع نشيد العافية}. الحكماء أو القديسون الذين أُتيحت فُرصة لقائهم وأثروا بي بشدة، يُشبهون دومًا الأطفال، كانوا يَتَنفسون فرح الحياة لأي سبب يَضحكون. الفرح بحياة بسيطة: الفلاحون يَقعدون في الحقول والفرح لا يَبرح شِفاههم وعيونهم. قارنت بينهم وبين العديد من الأشخاص تتوفر لهم أسباب الراحة ويَتمتعون بصحة، لكن يَجدون مَشقة كبيرة في رسم ابتسامة صغيرة على مُحياهم. مَعنى فرح الحياة أنه استقبال الحياة كهدية والاستمتاع بذلك. لنُحرر مصدر الفرح بداخلنا. (الإنسان حزين لأنه لا يَعلم أنه سعيد ليس أكثر، ومن سَيعرف أنه سعيد سيَصير على الفور سعيدًا). فقدنا فرح الحياة وما يَعنيه من استقبال تلقائي للحياة. يَفرح الأطفال والبسطاء من الناس؛ لأنهم وافقوا على الحياة كما هي. يَتَعاملون مع الحياة كما تُقدم لهم، ويَعرِفون كيف يَتلقون ما مُنح لهم ولا يَطلبون حياة أخرى غير حياتهم.

رأيت في زمني 100 حِرفي ومائة من العُمال هم أكثر حكمة من رُؤساء الجامعات، وأنا أَرغب بشدة أن أكون مثلهم). الطُرق الحكيمة التي يَتوجب علينا أن نَسلكها نوعان: الأول تحقيق الطمأنينة وغياب الاضطراب والصفاء. والثاني بُلوغ الحكمة، بُلوغ الفرح الكامل، أي الحياة بفرح في العالم من دون العبودية للمَلذات والممتلكات المادية. وهو الأمر الذي يؤدي إلى السعادة. والطريق الثاني أسهل وأكثر عملية من الطريق الأول. تَهدف حكمة الفرح إلى تَّحَمُّل سِرّ وكثافة الحياة العاطفية المُرتبطة بالرغبة، وتَقَبُّل المُعاناة باعتبارها مُلازِمة له. إنما هو في التعبير عن شُعورنا بالإثم أو الذنب نظرًا لأننا قد أَضعنا حياتنا دون أن نَتمكن من تحقيق ذواتنا أو تنفيذ غاياتنا. ليست العبرة بطول الحياة أو قِصَرها، بل العبرة بعُمقها أو إثرائها. الإنسان يَعمل كل ما في وُسعه لكي يَتَهَرّب من شعوره الخاص بالفناء أو العدم المطلق. حقيقة أن الإنسان أو الكائن يَموت بصفة عامة وفي مَوعد غير مُحدد، لكن أن أَموت الآن بصفة خاصة لا يمكن لمَثل واقعة الموت أن تكون شيئًا هامًا ذا بال في صميم وجودي الحاضر. مَثَلًا: (من الأفضل أن أَتجاهل). (الموت واقعة مجهولة وعامة على كل البشر لا مُحددة، أفلا يَحق لنا أن نَطرد من قلوبنا كل خوف من الموت؟). لا مَخرج لنا من أمرين: (فإما أن نَموت حياتنا أو نَحيا مَوتَنا). هيرقليطس. إن ما بين أيدينا من لحظات يُمثل كنزًا ثمينًا لا يَنبغي التفريط فيه. فالموت هو الذي يُكرس الحياة؛ لأنه هو الذي يُثبت لنا أنه ليس شيء أثمن من الحياة، وإننا لا نَحيا إلا مرة واحدة، وأنه ليس من حَقنا أن نُضيع سنين من عُمرنا هباءً، وأن حقيقة الموت تُضفي دائمًا بما لها من قيمة لا مُتناهية. لا نُفرط في الحياة طمعًا في الخُلود. لا بد لنا أن نَعيش حياة والآن. ونحن لا نُريد أن نُضحي بالعصفور في يدينا مُقابل عشرة في الشجرة. في كل مرة يَضرب الموت -لا قَدّر الله- عزيزًا علينا، لا نَلبث نَفيق من غيبوبتنا الفكرية لكي نَتأمل الحياة على ضوء تفكيرنا بالموت. (لا بد لنا من أن نَعيش كل لحظة من لحظات الزمان كأنها الأخيرة). 

 قال نيوكول: ( إن الله قد جاد على البشر بِنعمة الضحك حتى يُعزيهم عما لديهم من ذكاء وقُدرة عقلية ). الضحك والبَشاشة والمَرَح والفكاهة والهُزل ظواهر نفسية. الوقت هو أثمن ما تملك. لا تَبع وقتك بثمن بخس.

© 2025 Dr Fahad Alorifi

  • X
  • LinkedIn
bottom of page